سهيلة عبد الباعث الترجمان

450

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

الفناء والتحقق بالأسماء والصفات حيث تصبح المشاهدة باللّه ، وللّه ، وبفعل اللّه ، وقد صوّر بعض الصوفية حالة المشاهدة هذه فيما يحصل للعبد بأن أول الفناء في اللّه هو فناء العبد في أفعاله ، فلا يرى فاعلا غير اللّه ، ولا يشهد سوى تصريف الحق في عالم الحدوث عند بروز الحقيقة ، وبعد الفناء في الأفعال يترقى في الفناء في الصفات ، فيشاهد الأشياء جميعها باللّه وهي الأعيان الثابتة في علمه تعالى . وفي هذا المجال يتحقق العبد بالوحدة التي تسفر عن الكثرة العلمية في الأسماء والصفات ، فيتصف بصفاته تعالى ويتحقق بأسمائه فيكون سمعه باللّه ، وبصره باللّه ، وفعله باللّه ، وهذا قرب النوافل كما مر « 1 » . وهكذا يتضح لنا من خلال ما طالعنا به ابن عربي في مواقفه عن الوجود والشهود ، ومن آراء شراحه لأقواله أنه يجمع في مذهبه بين وجود وشهود إذ لا يمكن الوصول إلى القول بوحدة الوجود إلا من خلال الشهود الحق ، حيث تظهر الحقيقة وتشهد معالمها ، وهذا ما نراه في أقوال ابن عربي ، إذ أن وحدة الشهود عبارة عن الفناء عن شهود التكثر والتعدد بين المشاهد ، والمشاهدة تنفي هذا التعدد والتكثر وتنتهي إلى حقيقة واحدة ، ذلك أن العبد إذا انتهى في سلوكه إلى الاستغراق في بحر التوحيد ، فإنه تفنى ذاته وتضمحلّ في ذات الحق ، فيغيب عن كل شيء سواه ، فيشهد اللّه وحده ، هذا هو حال الفناء في التوحيد عند القوم . وجملة القول أنه لا انفصال بين الوحدتين عند ابن عربي ، إذ أن وحدة الوجود نتيجة لوحدة الشهود ، وهما متكاملتان في مذهبه التوحيدي حيث يشير في منزل الصّمت الذي يستولي على العبد في حال مكالمة الحق له جامعا بين الوحدتين بقوله : فما ثمّ إلّا الصمت والحق ناطق * وما ثم إلّا اللّه لا غير خالق فيشهدنا تكوينه في شهودنا * تدلّ عليه في الوجود الحقائق « 2 »

--> ( 1 ) اللّكنوي ( الشيخ محمد عبد الباقي الأنصاري الهندي ) ، المنح المدنية في مختارات الصوفية ، مخطوط ، مكتبة خاصة ، ص . ص 100 - 101 . ( 2 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الثالث ، ص 290 .